وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..
تتميّز الفكرة الجمهورية بالدقّة، والتحديد المتقن، والضبط في استخدام العبارة والمفردات، بعيدًا عن التعميمات التي يتميّز بها الخطاب الديني الشائع. فعندما يُقال "السُّنّة" أو "الشريعة" فإنما يُقصد بهما معنى محدّد. وكذلك الأمر في مفاهيم مثل: ما معنى النفس؟ وما معنى الروح؟ وما وظيفة العقل؟ وما وظيفة القلب؟ وما وظيفة النبوّة، وما وظيفة الرسالة، وما وظيفة الولاية — كل ذلك يُحدَّد تحديدًا دقيقًا
وكذلك: ما معنى الإرادة؟ وما معنى الرضا؟ وما معنى الغريزة؟ وكيف بدأت الحياة؟ وإلى أين تسير؟ وأين موقع الإنسان فيها؟ وما الفرق بين البشر والإنسان؟ وبين الحضارة والمدنيّة؟ وبين الطائفيّة والصوفيّة؟ وقد تحدّث الأستاذ عن التعليم، وبيّن الفرق بينه وبين التربية، وأرسل خطابًا إلى مدير بخت الرضا في أواخر الخمسينات، يصلح أن يكون أساسًا يُبنى عليه مشروع التعليم. كما تحدّث عن الثورة الثقافيّة، فعرّف الثقافة تعريفًا تجاوز المعنى التقليدي الذي يقتصر على تحصيل العلوم والمعارف، ليمنحها معنى يقوم على تقويم النفس وتهذيبها، وهو المعنى الذي يطابق مدلول الكلمة ذاته
وتكلّم الأستاذ عن بدعة صلاة التراويح، وعن عدم وجوب الأضحية، وكل ذلك مسنود بالأدلّة من السيرة. وكان الجمهوريون يفعلون ذلك كل عام، غير مبالين بعدم استجابة كثير من الناس، لأن الأستاذ علّمهم أن يغزوا راية الحق، ويقعدوا تحتها
أما الصلاة فهي المحور الذي تدور حوله الفكرة الجمهورية، والتي بفضل أتفانها إتقانا محكما وتجويدها تجويدا كاملا نال الأستاذ ما ناله من هذا الكمال ولذلك عندما دعا الناس للصلاة، لم يكن يدعوهم إلى قولٍ يقولونه، ولا إلى رسمٍ يتصوّورنه، بل إلى أمرٍ عمل به، وسلكه في نفسه قبل أن يدعو إليه غيره. فقدم المحاضرات والندوات والجلسات الخاصة التي تشرح الصلاة ومعانيها واسرارها. وأخرجها من المعاني التقليدية فطرحها بوصفها جلسة للتحليل النفسي التي بفضل تجويدها تنحل كل العقد والمشكلات النفسية.
ركز الأستاذ في دعوته على وجوب تربية المواطن تربية مدنية حقيقية تُنشئ المواطن على الوعي والمسؤولية الأستاذ كان يرى أن الوعي هو صمام الأمان بالنسبة للشعوب. والوعي يعني أن يعرف المواطن في الدولة حقوقه، وأن يطالب بها، ويدافع عنها، ويستوفيها من الحاكم، لأنه يعلم أن الحاكم خادم للشعب وليس سيدًا عليه. وهذا المبدأ لا يقتصر على رأس الدولة وحده، بل ينطبق على كل موظف عام منوط به تقديم خدمة للمواطن. وفي المقابل، يجب على المواطن أن يؤدي واجباته في المجال الذي يعمل فيه قبل أن يطالب بحقوقه، لأن العلاقة بين الحق والواجب علاقة تكامل لا تعارض..
كان الأستاذ يتحدث باستمرار عن الصدق وأهميته، وكان يحثّ الإخوان على المبالغة فيه، ويقول: لا يمكن أن تبلغ من الصدق مبلغًا يُغنيك عن المزيد من الصدق. وكان يحبّ للإخوان الجمهوريين أن يلتزموا حرفية الصدق التزامًا كاملًا. وكان يستدل على ذلك بأمثلة ونماذج من السيرة، يستخرج منها معاني ودلالات دقيقة لا تخطر على الذهن. ومثل ما يقال عن الصدق يقال كذلك عن التزام المواعيد لأن المواعيد دين عند الأستاذ. وعندما صدرت قوانين سبتمبر سنة ٨٣ قال ما بنسميها قوانين إسلامية لأنها ما بتشبه الإسلام ولا حنسميها قوانين شريعة لأنها مخالفة للشريعة وانما نسميها بالشهر الذي صدرت فيه فكان أول من سمى تلك القوانين قوانين سبتمبر هو الأستاذ محمود. وقد طلب منا رشيدة محمد وشخصي، وكنا قضاة في ذلك الوقت، تقديم عريضة دستورية ضد هذه القوانين، كبداية لمعارضة القوانين وفق الدستور القائم في البلد، قبل أن تأتي معارضتها السياسية التي قادها هو بنفسه. العريضة الدستورية حسب توجيه الأستاذ نأينا بها عن الخطاب السياسي وواجهت القوانين من حيث معارضتها للدستور الدائم لعام ١٩٧٣. سالكة بذلك سبل الإجراءات القانونية. و كان توجيه الأستاذ أن نذهب للقانونيين في مكاتبهم لشرح موقفنا ونطلب منهم إغراق المحكمة الدستورية بالعرائض. ولكن موقفهم كان سلبيا، بصورة مخجلة.
زي ما قلت في بداية الفقرة دي أن الفكرة الجمهورية تتميز بالدقة والضبط في العبارة بصورة مذهلة، وزي ما قال الاستاذ في ختام كتاب القراَن ومصطفى محمود أنه يستخدم من الكلمات ما يؤكد معنى ما يريد. وزي ما لاحظنا في التاريخ الذي ذكر أن المواقف نفسها متسقة مع الكلمات. وهناك كلمة في قمة البلاغة والتبليغ قالها الأستاذ في معرض دفاعه كمتهم في قضية بورتسودان الشهيرة؛ مشيرا إلى أنه لا يلقي التهم ضد القضاة الشرعيين على عواهنه. قال مخاطبا الشاكي إبراهيم جادالله: (أنا بشعر أني مسئول أمام الله ومسئول أمام الناس الملتفين حولي، ومسئول أمام شعبي، بعدين المسئولية القانونية بتجي في الآخر.) والحقيقة دي قمة التربية بالنسبة للحاكم وبالنسبة للمحكوم. بالنسبة للموظف والعامل وبالنسبة للمدير. وهي الحقيقة تصلح أن تكون قاعدة ذهبية للتعامل بين كل الناس مهما كانت خصوصية العلاقة بينهم. أن تكون أولا مسؤول امام الله يعني ضميرك (لانو ما وسعني أرضي ولا سمائي وانما وسعني قلب عبدي المؤمن). بعدها تجي المسؤولية للإنسان المباشر ليك، لو كان شخص واحد أو مجموعة، ثم بعد كدة تجي مسؤوليتك أمام المجتمع. فإذ جودت مسؤوليتك بهذا الشكل فأنك لا تحتاج إلى المسؤولية القانونية، لأنه ما على المحسنين من سبيل.
أحب أن أوكد في نهاية هذه الكلمة على أن السلام لا يمكن تحقيقه، على المستوى الفردي أو الجماعي، إلا بأن يبدأ الإنسان بنفسه أولًا. وقد طرح الأستاذ محمود هذا المنهاج للناس منذ عام 1965؛ وهو منهاجٌ يمكن أن يجعل من أي فرد صالحًا لنفسه وصالحًا لمجتمعه. وعندئذٍ فقط نستطيع أن نحقق دولة السلام والعدالة، التي نُقدِّم بها نموذجًا يُحتذى للعالم.