وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..
نحتفل اليوم، الثامن عشر من يناير 2025، بالذكرى الحادية والأربعين لاستشهاد الأستاذ محمود محمد طه، الذي تمت محاكمته في بادئ الامر أولًا بموجب قوانين أمن الدولة بتهمة تقويض الدستور، ثم انتهت قضيته لاحقًا إلى ما عُرف بمحكمة الردة؛ وهي محكمة لا يقل وصفها عن كونها مهزلة قانونية، اختُتمت — كما هو معلوم — بحكم الإعدام، رغم أن المحكمة العليا كانت قد أبطلتها لاحقًا في ٢٠/١١/١٩٨٦ ووصفتها بأنها محاكمة باطلة من أساسها
ولستُ بصدد الخوض في تفاصيل تلك المحاكمة، إذ نحتفي اليوم بما قدّم الأستاذ للشعب السوداني و للعالم، وانا سأقدم في هذه الكلمة إضاءة شذرات من العمل الذي قام به الأستاذ خلال حياته العملية والفكرية منذ عام ١٩٤٥ وحتى عام ١٩٨٥؛ لان حياته كلها كانت دعوة للسلام، وهو الموضوع الذي اتفق عليه الإخوان أن يكون محور الحديث في هذه الذكرى، السلام هو في الحقيقة موضوع الساعة. فالعالم اليوم يواجه أزمةً حقيقية؛ فعلى الرغم من التقدم الكبير الذي أحرزه في مجالات التقنية، وبناء المؤسسات الديمقراطية والدستورية، فإن الفوضى باتت هي السمة الغالبة. وما زلنا — في جوهر الأمر — نعيش في منطق الغابة، في عالم تحكمه القوة لا القانون. وهذا توصيف واقعي، لا مجازي ولا بلاغي
فإذا نظرنا إلى حال بلدنا السودان، نجد أن الإنسان قد يُقتل دون أن يُعرف السبب، أو يُزجّ به في السجن دون مسوّغ قانوني واضح. بل إن مأساة السودان اليوم، المتمثلة في القتل والتشريد والدمار، تمثل شهادةً بليغةً على عمق الأزمة الأخلاقية التي نعيشها.
وعلى المستوى العالمي كذلك، نرى مظاهر مشابهة — كما يحدث في دول كبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين — حيث تُقدَّم المصالح والقوة والنفوذ على القيم الإنسانية، ويُبرَّر العنف، وتُعلَّق القوانين حين تتعارض مع حسابات القوة
من وقت طويل الناس في السودان أو خارجه يتكلموا دائما عن ثروات السودان الهائلة؛ الثروات الطبيعية والبشرية التي إذا استغلت ستجعل السودان جنة الله في الأرض. لكن أنا بفتكرأن الثروة الحقيقية، الكنز الحقيقي هي هذه الدرر التي أهداها الأستاذ محمود للشعب السوداني، بفكروا و بقولو وبعملو هذه الاسهامات يمكن أن تكون هي الإمكان الذي يفتح امام السودان طريق التقدم والازدهار. وإذا كان العالم مش بس الشعب السوداني فعلا ببحث عن السلام وعن الامن والاستقرار والتقدم فيجب عليهم أن يقفوا طويلا عند إسهامات الأستاذ وأن يعطوه ما يستحقه من اعتبار. وأن يحاولوا أن يتمثلوا مواقفو في الفكر و في القول وفي العمل. والاَن نمشي لهذه للإضاءات التي أخترت لها اسم محطات: