وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..
منذ بواكير الحركة الوطنية، كان الأستاذ محمود يرى أن أهم عملٍ سياسي في بدايات نشأة الحزب هو ملء فراغ الحماس أولًا، ثم فراغ المذهبية؛ في ذلك الزمن البعيد، ومنذ فجر الحركة الوطنية، فطن الجمهوريون إلى طريق الهلكة الذي كانت تنحدر فيه الحركة الوطنية على أيدي رجال المؤتمر والأحزاب، فأطلقوا صيحة الحق داوية، وقدّموا النذير العريان، مبتدرين الدعوة والعمل لعزل الطائفية عن الحركة الوطنية، ومؤكدين التوجّه مباشرة إلى الشعب لاستنهاضه، حتى يمسك قضيته بيده، فيكافح ويتحمل مسؤولية تحرير نفسه. فإذا تم له التحرر من الاستعمار، كانت الحرية عزيزة لديه، لا يفرّط فيها أبدًا، ولا يترك المجال لعابث أن يعبث بها.
وقد تقدّم الجمهوريون الصفوف بصدقٍ وشجاعة، وواجهوا الاستعمار، فضربوا المثل الحي للثائر الذي لا يضعف، ولا يهادن، ولا يساوم. ومع أن الجمهوريين كانوا قلةً، قياسًا بالأحزاب الأخرى كالأمة والأشقاء وغيرهم، إلا أن مواقفهم الصامدة والشجاعة في مواجهة المستعمر كانت تثير الإعجاب، وتلهب الحماس الوطني في نفوس الشعب.
وقد دخل الأستاذ محمود محمد طه السجن كأول سجين سياسي في الحركة الوطنية في أربعينيات القرن الماضي، لرفضه التوقيع على تعهّد يمنعه من ممارسة نشاطه السياسي. وداخل السجن كان يعصي أوامر الإدارة ويخالفها، نكايةً بالمستعمر، وتقليلًا من شأنه وتصغيرًا له، فكان يُودَع الزنزانة أيامًا عقوبةً على هذا العصيان. وكانت أخبار هذه المواقف تتسرّب إلى خارج السجن، فيتلقفها الشعب، فتحرّك فيه كوامن الوطنية والغيرة.
لقد ضرب الجمهوريون — على قلة عددهم — مثلًا فريدًا في قوة المواجهة والشجاعة؛ فكانوا يخطبون في المساجد، والمقاهي، والأندية، ويقومون بتوزيع المنشورات التي تهاجم المستعمر، وتوقظ الوعي الوطني في صفوف الشعب.
وكان الأستاذ والجمهوريون ينعون على بعض السودانيين والخريجين أن مؤتمر الخريجين قد فشل في أداء رسالته، بسبب ارتمائه في أحضان الطائفية، ولجوئه إلى أساليب المذكرات الفوقية غير المرتبطة بتوعية الشعب واستنهاضه لنيل حقوقه. وكما هو واضح فإن اشراك الشعب السوداني في القضية التي تخصه كان هو ديدن الأستاذ منذ بداية العمل السياسي.
وقد ملأ الجمهوريون هذا الفراغ فعلًا، بصورة أزعجت الاستعمار وأقلقته؛ إذ كانوا ينددون به جهرةً في خطبهم في الأماكن العامة، ويوزّعون المنشورات التي تهاجم الإنجليز بأسلوب حرّك الشعب وأثار حماسه، ودفع السلطات في النهاية إلى محاولة كبت نشاطهم. فكان الجمهوريون أول من سُجن في تاريخ الحركة الوطنية، في وقتٍ كان فيه زعماء الأحزاب الطائفية يتملّقون رضا المصريين، ويقيمون في الفنادق الفخمة على نفقة الحكومة المصرية.
وهكذا قدّم الأستاذ والجمهوريون نموذجًا صادقًا للقيادة بالفعل لا بالادّعاء؛ قيادةٍ تتجسّد في الموقف والممارسة لا في الشعارات. وكأن الرسالة التي وجّهها الأستاذ إلى الشعب من خلال هذه المحطة هي: أن من أراد أن يكون قائدًا، فعليه أن يجسّد ما يقول. وفي عام ١٩٧٦ حين أعتقل الجمهوريون بعد اصدار كتاب اسمهم الوهابية حاول أستاذ جلال يفدي الأستاذ في مسألة الاعتقال الأستاذ قال ليهو لو في جمهوري واحد يعتقل أكون أنا. وحتى في خروج الجمهوريين قبيل التنفيذ حاولت سلطة مايو أن تخلي سبيل الأستاذ لوحدو فرفض الأستاذ إلا بعد أن يتم إطلاق سراح جميع أولاده الجمهوريين جاء ذلك في حديث لمجلة الجامعة.