وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..
للدين معان كثيرة، ولكنها كلها تشير بنحو ما، إلى العلاقة بين الله والإنسان.. فهو يعني الإذعان والطاعة التامة لله، قال تعالى (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) وهو يعني النهج، والسلوك، والسيرة، جاء في ذلك قوله تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا). والدين يعني أيضاً الجزاء والعقاب.. قال تعالى (فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ * أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ).. كما يعني مجرد العقيدة أي كان نوعها، قال تعالى في هذا المعنى (وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) ولم ينكر على المشركين، أن ما هم عليه دين، بمعنى المعتقد. والدين يعني، أيضاً، الشريعة والقانون.. قال تعالى (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ). فالدين يحوي الشريعة كقوانين، ويحوي ما هو أرفع من الشريعة، مثل قيم الاخلاق، ويحوي المعاني الروحية، والأسرار الإلهية، وهي أرفع من القوانين، ومن قيم الاخلاق، وهي ما عُرف عند السادة الصوفية بالحقيقة.
ولعل إشكالية الدين من حيث هو، هي أنه يهدف إلى خلق علاقة، يريد لها أن تكون قوية، ووثيقة، بين المطلق والمحدود!! ولما كانت المعرفة التامة بالمطلق لا تتأتى، فإن الإيمان بالغيب، لا ينفك عن الإنسان، مهما ارتفع في فهمه، ومعرفته بربه!! على أنه يترقى بمنهاج التقوى، ليستيقن حقائق، كانت من قبل، من ضمن ما يؤمن به، فتصبح يقينا لا يتطرق إليه الشك.. ولكن مع ذلك، تظل معارف أخرى، في نطاق إيمانه، ريثما يطالها علمه، فتظهر له معارف اخرى، أبعد مدى يطلبها حثيثاً، وهكذا.. غايته أن يعلم علم الله المطلق وهيهات!!
ومشكلة الإيمان تكمن في أنه تصديق عقلي، بما لم يطلع عليه المؤمن فيدركه بحواسه، ولهذا تثور فيه لدى الأذكياء مراجل الشك، التي لا تنطفئ إلا إذا استقر في القلب برد اليقين.. واليقين اطمئنان قلبي، يحدث بانتفاء الشك، نتيجة للشعور العميق بالأمر. وعن الفرق بين اليقين والإيمان، جاء في القرآن (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) فإبراهيم عليه السلام قد كان مؤمناً، ولكن الإيمان لم يحقق له طمأنينة القلب التي تريحه، لأن به قدر من الشك، فلما قطع الطير، ووضع قطعاً مختلطة من لحومها على رؤوس الجبال، ثم ناداها، تماسكت اجزاؤها، وعادت طيوراً كما كانت، وطارت نحوه، تحول من الإيمان الى اليقين .. قال تعالى (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ).. فلكأن الإيمان ظن عقلي ترجحه الشواهد فيتم التصديق، بينما اليقين شعور قلبي يتجاوز الشك و تحققه الرؤية.. ولذلك قال تعالى (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ). ولما كان الإيمان تصديق، فانه دائماً يخالطه الشك، ولهذا فان إيماننا بوجود الله، و وحدانيته، وقدرته، غالباً ما يختلط به الشرك!! قال تعالى (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ)!! والشرك ينتج من الشك، في قدرة الله المطلقة.. فنحن نشرك معه، غيره، في فعله، لشكنا في أنه تبارك وتعالى قادر على كل شيء، ولا يحتاج لشريك.. والى هذا المعنى أشار تبارك وتعالى بقوله (أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّار) .. والشركاء الذين جعلناهم لله إنما هم نحن!! ونحن لا ندعي مشاركته في الأشياء الكبيرة، التي لا نستطيع ادعاؤها.. وإنما نزعم مشاركته في الأشياء التي نظن أنها صغيرة، وأننا نقوم بها معه، ولذلك قال (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ* اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ). فكأنه قال إننا نقر لله بخلق السماوات والأرض، والشمس والقمر، لأننا لا يمكن أن ندعي ذلك، فاذا سئلنا عنها، قلنا خلقها الله.. ولكن في أمر الرزق، نقول بألسنتنا إن الله هو الذي يرزقنا، ولكن بلسان حالنا نظن أننا نشارك في ارزاق أنفسنا، ويمكن أن نزيد رزقنا، بقدر زيادة كدنا، وحيلتنا، أو ننقصه إذا تكاسلنا ولم نعمل بجد واجتهاد.. وحتى يربينا، ويخلصنا من هذا الوهم الضار، فإن الله تبارك وتعالى يخبرنا بأن الذي خلق السماوات والأرض، هو نفسه الذي يقدر رزق عباده كما يشاء!! ونحن إن لم يكن لنا في خلق السماوات والارض مشاركة، فكذلك ليس لنا في توفير الرزق مشاركة، وإن خيل لنا وهمنا غير ذلك.. وهذا الاعتقاد إذا لم نستيقنه، لن نخرج من دائرة الشرك.. والقلة التي برئت من الشرك، إنما هم الذين أدخلهم إيمانهم مداخل اليقين، فاطمأنت نفوسهم، قال تعالى عنهم (الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ).. وقد ورد في الحديث، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قرأ هذه الآية، وقال: قيل لي أنت منهم!! فقال أحد الاصحاب: ولكننا يا رسول الله لم نظلم أحداً منذ آمنا!! فقال النبي: ليس الذي تقصدون، وإنما عنى الشرك، ألم تسمعوا قول الحق (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)؟! وهو بطبيعة الحال لا يقصد الشرك بمعنى عبادة الاصنام، فهذا لم يمر به النبي صلى الله عليه وسلم قط حتى يبرأ منه، وإنما يعني أن يرى العبد لنفسه إرادة مع إرادة ربه. وهذا اعتبر ظلماً لأنه ادعاءنا ما لا حق لنا فيه.
فالإشكالية إذاً، هي أن الدين، أي دين، يقع عمقه في منطقة الغيب، ولهذا لا يطال في البدايات إلا بالإيمان، والإيمان لا تطمئن به القلوب، وإن اقتنعت به العقول.. ولا سبيل الى الدخول في غياهب الغيب، والتأكد منه، إلا بالتصديق بما جاء به ظاهر الشرع، والعمل وفقه.. ولذلك مدح الله المؤمنين بقوله (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ). فهم يبدأون بالإيمان بما لا علم لهم به، ثم يمارسون العبادة، كما أمروا بها، كمنهج للتحقق من المعاني الغيبية، وفي قمة العبادة، وجماعها، الصلاة.. ثم ذكر الإنفاق، لأنه يخلص النفس من الشح، ومن شدة الارتباط بالعالم المادي، الذي كلما تعلقنا به، وأخلدنا إليه، حجب عنا الغيب.. والإسلام تقدم على بقية الأديان، والافكار، بأنه لم يقف عند الإيمان ولم يجعله نهاية المطاف، وإنما جعل الإيمان بداية، وقرنه بالعمل الصالح، الذي يزيده حتى يحوله الى علم يقين. ولكن في البداية، فإن الإسلام يطالب بالإيمان، ويعتمد على العقيدة، ويطلب الإذعان، حتى ولو لم يقتنع العقل، شأنه في ذلك شأن جميع الأديان.
وحين نزل الإسلام على العرب، في القرن السابع الميلادي، في مكة، خاطب فيهم البداهة التي تؤدي إليها سلامة الفطرة، وحثهم أكثر ما حثهم، على العمل، حتى يغيروا من سلوكهم، ونمط حياتهم.. وقدم لهم في شخصية محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، أنموذجاً فريداً، يمكن أن تصلح النفوس لو اقتدت به، واتبعت نهجه، بإتقان وهمّة.
ولما كانت أمة العرب أمّية، قل فيها من يكتب أو يقرأ، فقد جاء رسولها كذلك أميّاً .. قال تعالى في ذلك (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، ولسان القوم لغتهم، وثقافتهم، والثقافة هي التي تعطي اللغة معانيها، التي قد تغيب عن من يدرس اللغة، إذا كان لا يعرف الثقافة، ولهذا قال (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ). ولقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله (إنا أمّة أمّية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا). وبسبب من نقص العلم، وعدم القدرة على تحصيله بسبب الأمّية، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشغل العرب الأميين، بالقضايا العميقة، التي تمثل خلاصات العلم، إلا أنه وضع لهم منهاجاً مبسطاً في العبادة والسلوك، يتيقظ به العقل، ويطّرد نموه، حتى يصح للعابد بعد تهذيب، وتأديب العقل، أن يخوض بعلم فيما لا يستطيع صاحب العقيدة من دقائق المعاني العرفانية. ولقد اخرجهم من ظلام الجاهلية، إلى نور الإيمان، فتحول الاعراب الجفاة الغلاظ، الذين كانوا يأكلون الميتة، ويقطعون الرحم، ويحاربون بعضهم سنين عددا، في ناقة أو بعير، ويدفنون بناتهم أحياء، خوف العار، وخوف الفقر، ويشربون الخمر، تحولوا إلى هداة الإنسانية في زمانهم، وانتصروا على ملوكها، وطواغيتها، وحرروا شعوبها، وتفوقوا على حضارات الفرس والروم، ونشروا الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، واقاموا حضارة عظيمة. ثم حين تنازلوا عن قيم دينهم، مع تراخي الزمن، وعجزوا عن النصيحة والجهر بالحق، واتبع قادتهم سيرة الملوك الآخرين في الثراء والفساد، فتوارثوا الحكم واتبعوا شهواتهم، وعجز علماؤهم عن الامتناع من مجاراتهم، وتبرير مفارقاتهم طمعاً في عطائهم، وخوفاً من بطشهم، انهزموا وطردوا من الأندلس، بعد أن حكموها زهاء ثمانمائة عام. ولما مرت عليهم السنين ولم ينهضوا بل ازدادوا بعداً عن دينهم، طردوا من فلسطين، وهزمت جيوشهم أمام إسرائيل، وأصبحوا يعيشون على هامش التاريخ.. يستهلكون من الحضارة الإنسانية، ولا يسهمون فيها، ويتسقطون رضا الدول العظمى، ولا ينالون من ذلك ما يحفظ ماء وجوههم. وبسبب ضعف العرب، والمسلمين، وقعت بلادهم فريسة للاستعمار الحديث.
ولما كانوا يحلمون بالخلاص من الاستعمار، والعودة الى مجد سلفهم التاريخي، قامت في بلادهم من مصر الى المغرب، ومن الشام إلى باكستان، حركات تنادي بعودة الإسلام الى الحياة، باعتباره الطريق الوحيد للتحرر والعزة والكرامة. ووجدت هذه الحركات كحركة الاخوان المسلمين، التي أنشأها الشيخ حسن البنا، في مصر، في العشرينات من القرن الماضي، وحركة الجماعة الإسلامية، التي أنشأها الشيخ أبو الأعلى المودودي، في باكستان، رواجاً كبيراً، خاصة بعد فشل فكرة القومية العربية، بهزيمة عام 1967م، ونهاية نظام الزعيم جمال عبد الناصر.
نواصل..