وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..
لعل الخطأ القاتل، الذي وقعت فيه كافة الحركات الإسلامية، هو عدم قدرتها على تصور الفرق الكبير، بين العصر الذي ظهرت فيه، وهو القرن العشرين، والقرن السابع الميلادي الذي نزل فيه الإسلام. وهي بدلاً من أن تنفق وقتاً في النظر في أمر الاجتهاد، ومحاولة وضع برنامج يراعي تطورات الواقع الحديث، دعت الى تطبيق الإسلام، كما طُبّق على عهد الاصحاب رضوان الله عليهم!! وسعت من أجل ذلك، للوصول الى السلطة، حتى تتمكن من فرض فكرتها بالقوة، واعتبرت ذلك ضرباً من الجهاد في سبيل الله. ولما كانت لا تملك القوة اللازمة، لجأت الى الحيلة، والتكتيك السياسي، وبدأت بسبب ذلك المسعى، تتنازل شيئاً، فشيئاً، عن التربية، لصالح المصالح السياسية، فقدمت في ذلك كثير من التنازلات، التي أبعدت الحركة عن روح الدين، وافقدت القادة مصداقيتهم. ثم أصبح الوصول للسلطة، هو غايتهم العظمى، فنسوا الله، ونسوا ما كانوا يتحدثون عنهم من اخلاق الصحابة، وجنحوا الى مقاومة الحكومات، وسارت حركتهم في طريق العنف والاغتيالات. ولما كانت هذه الأفعال غير مقبولة في وقتهم، بدأت سلسلة من التبرير، أدخلتهم في الكذب والنفاق، وبدلاً من الجهاد الإسلامي، الذي رفعوا شعاره، أخذوا يجاهدون كل من يخالفهم الرأي من المسلمين!! ثم إن الحركة لم تبال في حربها مع الحكومات، من قتل الابرياء، نتيجة الاغتيالات السياسية، والتفجيرات العشوائية. وحين وصلت السلطة في السودان، عن طريق انقلاب عسكري في يونيو 1989م، لم تستطع تطبيق الإسلام، الذي كانت تنادي به، بل انشغل قادتها بنهب الأموال، واختطاف مؤسسات الحكومة، وتسييرها لمصلحة الحفاظ على كراسي الحكم، على حساب الدين والوطن، مما دفعهم للبطش بكل من يعترض على سياساتهم الخاطئة، بعنف ووحشية، فقتلوا الأبرياء، وحرقوا القرى، واغتصبوا النساء، وأججوا نار الحروب الأهلية مع غير المسلمين من المواطنين، في جنوب السودان، وفي جبال النوبة، والنيل الأزرق. ثم استعملوا الصراعات العرقية في دارفور، فسلحوا القبائل العربية، ضد القبائل الافريقية، التي كانت تتعايش مع بعض لمئات السنين. وارتكبت حكومة الاخوان المسلمين من الفظائع في دارفور، ما بلغ حد قتل 250 ألف مواطن وتهجير حوالي 2 مليون مواطن، مما جعل رئيسها ومساعديه متهمين من المحكمة الجنائية الدولية، بجرائم حرب، وجرائم تطهير عرقي، وجرائم ضد الإنسانية. وبعد كل ذلك، فشلت الحركة الاسلامية فشلاً ذريعاً، في تحقيق نظام تسود فيه قيم الإسلام، بل نفرت الاذكياء عن الإسلام نفسه!! ولعل تجربة حكم الاخوان المسلمين في السودان، لمدة ثلاثين عاماً، كانت كافية، لتوضح خطورة هذه الجماعة، وكيف أنها أكثر دموية، ووحشية، وسرقة، وفساد من أي نظام حكم آخر. وهاهم حين نزعت عنهم السلطة بالثورة الشعبية في ديسمبر 2018م، يسعون في المزيد من الخراب، حتى لم يترددوا في اشعال حرب أخرى في ابريل 2023م، ضد قوات الدعم السريع، التي صنعوها كمليشيا لحمايتهم، ثم هجموا عليها غدراً، حين اختلفت معهم سياسياً.. ثم قاموا باختطاف الجيش السوداني، عن طريق كوادرهم داخله، وهمشوا دوره واستقلاله، وتبّعوه لكتائبهم، وميليشياتهم، التي ارادت ان تنتقم من الشعب، الذي ثار، وأسقط حكومتهم. فضربوا المدنيين من المواطنين بالطائرات، وهدموا بيوتهم فوق رؤوسهم، وقتلوا الآلاف، وهجروا الملايين قسراً، كل ذلك لكي يعودوا الى الحكم مرة أخرى. وبالرغم من ان قوات الدعم السريع لم تبدأ الحرب، وظلت منذ بدايتها، توافق على كل منبر للتفاوض من أجل السلام، ودرجت قيادتها على التأكيد لقواعدها، بعدم التعرض للمواطنين، إلا ان كثير من منسوبي الدعم السريع، لم يراعوا توجيه قيادتهم، وقاموا بعدة انتهاكات، واعتداءات، وسرقات من المواطنين، مما عكس صورة غير مقبولة، استغلها اعلام الاخوان المسلمين لآخر مدى، وضخّمها، وزاد عليها كثيراً، مع ان الجيش الذي يوجهه الاخوان المسلمون و مليشياتهم، التي وصلت لحوالي خمسة عشر، والقوات المشتركة التي تقاتل معهم، ارتكبوا فظائع ضد المدنيين الأبرياء، أبشع بكثير، مما فعل متفلتو الدعم السريع.
ليس في المعاني الانسانية ما هو أرفع من الدين، فلقد نشأت المجتمعات على الأعراف الدينية، فحفظتها، بما ارست فيها من قواعد الأخلاق والسلوك.. فالدين أول ما عرف الانسان، وسيكون آخر ما يعرف.. ولم يعرف مجتمع بشري لم يكن له دين. فقد تصور الانسان البدائي، قوى الطبيعة المختلفة، آلهة جبارة، تتحكم في حياته، ولا تأبه بمصيره، فتزلف اليها، وقرب لها القرابين.. ومن تلك اللحظة ظهر الدين في الأرض، وكان ديناً وثنياً، متعدد الآلهة، بحسب تعدد القوى الطبيعية، التي أثرت في الانسان البدائي البسيط. ثم تصور الانسان البدائي، أن هناك حياة بعد الموت. وذلك لأنه كان يرى اقرباءه الذين ماتوا في احلامه، وهم يتحركون وكأنهم في حياتهم العادية، ومن هنا نشأت فكرة الحياة الأخرى، ومختلف التصورات عنها.. وزاد الخوف من بطش الآلهة، إذ تعدى الأذى في الدنيا الى العذاب في الحياة الدائمة!! ولكن ذلك الخوف هو الذي حفز الانسان في مراقي التطور، فخوفه من عناصر الطبيعة، ومن الحيوانات المفترسة، ومن اعدائه ممن هم مثله، مدد خياله، ووسع حيلته في التخفي، والمناجزة، وشحذ ذكاءه، فاكتشف قوانين الطبيعة، واستغلاها في تصنيع سلاحه، وتطويره من السلاح الحجري، حتى القنبلة الهيدروجينية!!
(2)
أما الخوف من عقاب الآلهة في الحياة الأخرى، فقد اعان الإنسان البدائي على كبت رغائبه وشهواته، والخضوع لعرف الجماعة، في اشباع تلك الغرائز. وكانت مخالفة العرف بارتكاب جريمة، تواجهه عقوبة الموت الذريع. فصار الانسان البدائي يتجنب المحظورات، حتى في غياب الرقيب، وضمان الأمن من بطشه، لأنه عرف أن هناك قوة عظمى، تراقبه، وهي قادرة على معاقبته في الحياة الأخرى. ومن هنا نشأ الضمير الانساني في سحيق الآماد.. فالله تبارك وتعالى لم يرسل الرسل ليخبروا الناس بأن لهم إلهاً، لأن ذلك سبقتهم اليه رسل العقول. فقد أدرك العقل البدائي الساذج بالتجربة المعاشة، أن ليس هناك شيء صنع نفسه بنفسه.. فقام في خلده أن هذه الأرض الواسعة، والجبال الهائلة، والبحار، والانهار، والاشجار السامقة، والسماء، والشمس، والقمر والنجوم، لا يمكن إلا أن تكون قد صنعت بيد صانع قدير، أقوى وأحكم من الانسان!! وهكذا نشأ الدين في الأرض، ثم ألمّت به أسباب السماء، على مكث، وتلبث، فهذبته، وسيرته وفق إرادة هادية من ظلام الوثنيات الى نور التوحيد.. فعرفت أديان التوحيد الله للناس، ووصفته لهم، على قدر طاقتهم، ومهدت طريق الرجعى له، بمناهج العبادة، وحسن الخلق، والطقوس المختلفة، مما نشرته الأديان على مر الأزمان..
في تلك المراحل البدائية من مسيرة الدين، كان هناك مشرفون على القرابين وحراس للنار، وامكنة العبادة، فأخذ هؤلاء يفسرون للعوام رغبة الآلهة، ويستلمون الهدايا باسمها، ويحافظون على مكانتهم بتلاوة التعاويذ والرقي، التي لا يفهمها عامة الناس!! فإذا ارتفع الدين في النفوس، قام سدنة النار، وحراس المعابد، والكهنة بواجبهم تجاه الآلهة، وتجاه المواطنين، ومثلوا صوت العقل، بينهم وبين الأقوياء، الذين كانوا يغتصبون حقوق الجماعة، ويبنون على آلامها امجادهم الشخصية.. وحين ينحط الدين في النفوس، يخاف رجال الدين من الزعماء الأقوياء، ويطمعون في عطاياهم، فيهرعون لمساعدتهم في بسط نفوذهم على الفقراء، والمساكين، ويستعملون الحجج الدينية التي تدعو العامة للتسليم للزعماء، والخضوع لهم، وإلا غضبت عليهم الآلهة، واستحقوا بطش الزعماء!! وهكذا يختل ميزان العدل، ويسود الظلم والفساد، ويجمع الطغاة الى السلطة الزمنية، التي اغتصبوها بالقوة، سلطة دينية، تلحقهم برضا الآلهة، يحققها لهم الكهان ورجال الدين.. وبسبب جهل العامة بالدين، لاحتكار رجال الدين لأسراره، وبسبب ضعف علماء الدين، وطمعهم، جاء الحكام الأقوياء الذين ادعوا الإلوهية نفسها!! ومن هؤلاء الفراعنة الذين حكموا مصر، وغيرهم ممن عاصرهم، وسبقهم، أو لحقهم من الملوك..
وحين تأذن الله تعالى أن يسوق الوثنيات الى غايتها، بعد أن استنفدت غرضها، جاءت أديان التوحيد مواجهة لعقائد الشرك، وللملوك الذين نصبوا أنفسهم آلهة على البشر.. ولقد سارت ظاهرة رجال الدين مع اديان التوحيد، كلما انحط الدين في النفوس، وبعد الناس عن جوهره، وتمسكوا بقشوره، فكان الكهنة والفريسيين في اليهودية، والقساوسة والرهبان في المسيحية، يضعون أنفسهم بين الناس وبين الله، ويستغلون الدين لمصالحهم الدنيوية، ويخدعون البسطاء.
وحين جاء الاسلام، وضع نفسه من أول وهلة ضد ظاهرة رجال الدين.. وسحب البساط من تحت أرجلهم، حين جعل منهاج المعرفة الاساسي التقوى، بدلاً عن الدرس والاطلاع، فكان رسوله أمّي وامته امّية !! قال تعالى (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ).. ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم، يعلّم الناس ما لا تصح العبادة الا به عن طريق الهيئة، فلم يتحدث عن فرائض الوضوء أو مستحباته، وانما كان يتوضأ أمام الإعرابي فيعلمه الوضوء، وهكذا علمه جبريل عليه السلام.. ولقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم للأمة، أن العلم الحقيقي لا يتأتى بكثرة الاطلاع، واحتراف الحفظ والاستذكار، وإنما هو ثمرة التقوى، وبلغهم قوله تعالى (واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم) وقال النبي صلى الله عليه وسلم في شرح ذلك (من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم)!! ولهذا انشغل الأصحاب رضوان الله عليه بالعمل، وكان أحدهم لا يحفظ الآيات التي تنزل حديثاً، ما لم يكن قد طبق الآيات السابقة، خشية النفاق!! وهم في ذلك ينظرون لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ . كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ)!!
ولعل اول اشارة، في النعي على رجال الدين في الإسلام، ما رُوي عن السيدة عائشة رضي الله عنها، فقد رأت بعض الرجال يغطون رؤوسهم، ويمشون ببطء، ويتظاهرون بالمسكنة، ويخفضون أصواتهم، فقالت: من هؤلاء؟! قالوا: هؤلاء القراء!! قالت: أخبروهم لا يفسدوا علينا ديننا!! فقد كان عمر أقرأ الناس، وكان إذا تكلم أسمع، وإذا مشى أسرع، وإذا ضرب أوجع!!
على أن الفقهاء والوعاظ ورجال الدين، لم يظهروا في شكل مؤسسة، بالغة الأثر في حياة المسلمين الا بعد الفتنة الكبرى، حين انتصر معاوية بن ابي سفيان، على عليّ بن ابي طالب رضي الله عنه، فتحولت الخلافة الى ملك عضوض!! ولما كان الملك وتوارث الحكم، بدعة جديدة، تفتقر الى السند الديني، والتأييد الشعبي، فقد اعتمد ملوك بني أميّة على الفقهاء، ووعاظ السلاطين، ليوطدوا سلطانهم ويبرروا ظلمهم، وفسادهم!! ولم يحدث ذلك الانحراف في يوم وليلة، وانما كان أوائل الفقهاء أقرب الى روح الدين، فأعترض قلة منهم على بعض ملوك بني أميّة فنكلوا بهم، وارهبوا بهم غيرهم، حتى خضع سائر الفقهاء، وعلماء الشريعة الى الحكام، وأصبح ذلك الخضوع المنكر، ديدنهم منذ ذلك الوقت والى يوم الناس هذا.